24 نوفمبر، 2017

عجائب وغرائب- النّزاع والخصومات حول الأرض

موسى حجيرات
للأرض مفاهيم عدّة، متعدّدة ومختلفة، وتفهم حسب السّياق. فالأرض تعني الكرة الأرضيّة، مثلًا. وتعني مسقط الرّأس، المكان الذي ولد فيه الشّخص، أو آباؤه، أوأجداده، وتعني الوطن وهو المكان الذي احتضنه، وعاش فيه، وترعرع فيه على الأقل في فترة طفولته. فقد نشأت بين الشّخص النّاشئ وبين الأرض علاقة تكاد تكون مقدّسة، مبنيّة على المحبّة التي أصبحت قيمة عظمى، حتى ورد على ألسنة العامّة “حبّ الوطن رأس الدّين”.
كما تعني، أيضًا، المساحات المزروعة، العامّة منها والخاصّة، كالأحراش، والكروم، والحقول، والرّياض والجنائن. والأراضي العامّة كالسّاحات العامّة، والملاعب، والمساحات المقامة عليها المباني العامّة، والشّوارع والطّرقات.
للأرضة قيمة عاطفيّة نفسيّة، واجتماعيّة مدنيّة وسياسيّة، وماديّة اقتصاديّة. تتغيّر هذه القيمة من مكان إلى مكان، وحسب المفهوم المتداول بين النّاس في مكان معيّن، وهذه القيمة مختلفة من زمان إلى زمان.
ففي نظام الإقطاع القديم، مثلا، تختلف قيمة الأرض بين السّادة والعبيد؛ فعند السّادة من الإقطاع وأسرهم فالأرض مهمّة، ولكن بمجملها لأنّها مصدر سيادتهم، وتربّعهم على كراسي الزّعامة والقيادة. لكنّها للعامّة من العبيد والعمّال فهي غير مهمّة لأنّها ليست لهم، ولكن هناك أهميّة خفيّة، وهي أنّ الأرض مكان عملهم. فيشعر الأفراد هنا أنّه لولا وجود الأرض لفقدوا مصدر رزقهم، وفقدوا سكنهم لدى أسيادهم، وكلّ الموارد الحياتيّة الأخرى بالنّسبة لهم.
أبدًا لم تكن قيمة الأرض حسب طولها وعرضها، أو مساحتها. لم تكن آنذاك تباع وتشترى أبدًا. ربّما تبدّل، أحيانًا، بأخرى في مكان آخر، أو يتقايض ثمنها بأشياء أخرى.
ففي الدّاخل الفلسطيني ابتعد الكثيرون عن أراضيهم إثر عمليّات الطّرد، والتّهجير، والتّشريد. وخاف الكثيرون فتركوا أرضهم طوعًا وفيها بيوتهم، ومساكنهم التي بنوها، ولدوا وعاشوا فيها. وتركوا مزارعهم، وحقولهم، وبيادرهم، وكرومهم. كما تركوا حظائر مواشيهم، واسطبلات خيولهم. لذا فتعلقهم بكلّ ذلك أدّى لتعلقهم بأرضهم؛ فأصبحت الأرض ذات قيمة عاطفيّة في نفوسهم، ولها تأثير كبير على سلوكيّاتهم، وشعورهم وراحة بالهم، بل وشقائهم وعذابهم.
وفيما بعد واجه هؤلاء سياسات التّضييق على البلدات العربيّة كافّة. فقد حدّدت الخرائط الهيكليّة وجمّدت، ولم يراع فيها التّزايد الطّبيعي للسّكان، ولم تراع الهجرة الدّاخليّة بين القرى والمدن بتأثير الوضع الأمني والاجتماعي.
لقد صودرت أراض ومساحات كثيرة، وحوّلت إلى أراض دولة، أو أراض عامّة بحيث يتعذّر استغلالها ويحظر حظرًا كاملًا. أمّا ما منح منها من مساحات قليلة لبعض القرى فقسّمت إلى قسائم صغيرة جدّا، تباع بالمزاد وبمناقصات رسميّة للسّكان تحت ظروف صعبة كأن تمنح القسيمة لشخصين مالكين، وتحدّد مساحة البناء فيها، ويرهن البناء بموافقة مؤسّسات كبيرة كالسّلطة المحليّة، وشركة الكهرباء، والماء، والبيئة، وغير ذلك.
أسعار القسائم باهظة جدّا، ويضاف لها أسعار عمليّات تطويرها وتجهيزها مع أنّ هذه العمليّات معدومة غالبًا.
وهكذا فالحصول على قسيمة يكون بشق الأنفس، ومعاناة شديدة. والفائز بقسيمة في المناقصة هو كالفائز بمستقبله، ومستقبل أبنائه.
وهكذا فهذه الظّروف: إيجاد شريك قسري لشراء القسيمة، السّعي لموافقة ومصادقة المؤسّسات المختلفة، دفع أثمان باهظة جدًّا، التّحكم في التّصرّف في القسيمة بعد شرائها، عقد البيع الموقع هو عقد ضمان لأعوام معلومة، كلّ ذلك يجعل للأرض قيمة ماديّة كبيرة في نفوس السّكان لأنّهم كابدوا، وعانوا، ودفعوا. وهذا، وللأسف، دفع البعض للتّعلق ماديًّا بالأرض لأنّ المشتري يكون قد دفع ماله من أجل كلّ شبر فيها؛ فيسعى لحمايتها، والدّفاع عنها وممّن؟ من الجيران.
فهو لا يعارض شقّ شارع عامّ، أو خاص لمؤسّسات حكوميّة، أو محليّة لأنّ القانون يجيز ذلك. إنّما يستميت دفاعًا عنها إذا ما اقترب منها جاره ابن جلدته، وبلدته، وربّما ابن حمولته، وعشيرته، وفي معظم الحالات عمّه، أو ابن عمّه، أو أخيه، أو ابن أخيه، أو أخته.
ومن هنا تبدأ الخصومات والنّزاعات التي مصدرها الأرض. فالتّماسك العائلي، والحمائلي، والعشائري في المجتمع العربي يؤدّي إلى تكتّل أفراد العائلة: الإخوة، وأبناء العمومة في وجه آخر. أو تكتل الإخوة في وجه أبناء العمومة في حال نزاع أحدهم مع جاره في قسيمة الأرض حول شبر،أو متر، أو أدنى من ذلك، أو أكثر.
فنجد، وللأسف أخوة متخاصمين، وأبناء عمومة متنازعين، وعائلات مهدّدة، وعشائر متشاجرة مع غيرها.
كثرت النّزاعات والخصومات حتّى بات القسم الأكبر من حالات التّنافر والتّباغض في المجتمع العربي الفلسطيني في الدّاخل أساسه الأرض بأشبارها وأمتارها.
وهذا يتناقض مع شرائع الإسلام الدّاعية لحفظ الجار، وتيسير أموره، وراحة باله، والتّوسيع عليه، وعلى أبناءه، ومنحه الحريّة في فناء بيته، وداره، ودياره.
كما يتناقض مع الأعراف العربيّة التي تدعو لحفظ الجار، أيضًا، وخاصّة الجار ذي القربى وابن العم، وابن الخال، وابن العشيرة والبلدة.
كما يتناقض مع مبادئ الإنسانيّة؛ فالأرض للجميع، للعامّة والخاصّة، ولا يجب احتكارها، والسّيطرة عليها، وحرمان الآخرين منها ومن خيراتها.
كما يتناقض مع ظروفنا في الدّاخل فالأوضاع الصّعبة عامّة في مجتمعنا، ونحن نعاني من سيطرة الآخرين على معظم أرضنا، كما نعاني من التّمييز في منح الأرض للسّكان، ونعاني استبداد القوانين المتعلقة بذلك.
فالويل الويل لنا، نترك الدّين والإسلام، نترك العرب والعروبة، نترك روح التّعاضد والتّكافل الاجتماعي في الأزمات والأوضاع الصّعبة، نترك الإخوّة والعمومة، نترك الأخلاق والسّلوكيّات الحسنة من أجل ماذا؟
من أجل شبر أرض ليست لنا إذ سيورثها الله عباده الصّالحين، وإنّا منها، غدًا، راحلون.

 

Follow on Facebook

Font Resize