17 أكتوبر، 2017

عجائب وغرائب التّسامح

موسى حجيرات
عجبًا! كيف يدخل التّسامح في بلادنا في قائمة العجائب والغرائب؟
ما هو مفهوم التّسامح الحقيقي؟ وما الذي يثير اللبس في فهمه، ومعرفته، وإدراكه؟
كيف يفهم النّاس التّسامح في أرض الواقع؟ وما الفارق الكبير بين هذا الفهم وبين المفهوم الحقيقي؟
كيف لا تنتشر روح التّسامح، ولماذا لا يسامح النّاس بعضهم بعضًا؟
لماذا لا يعفو أحدهم عن أخيه، جاره، زميله، صديقه، أو آخر؟
إنّ التّسامح الحقيقي هو تجاوز المرء الواعي عن أخطاء الآخرين، وعن إساءتهم المتعمّدة له، بل مقابلة الإساءة بالإحسان، والعفو عن أصحاب الزّلات، وأن لا يكون مبدأ التّسامح نظريًّا فقط، بل يتعدّاه للفعل والتّطبيق.
وهو خلق العقلاء الذين يفهمون الحياة، ويدركون أسرارها، ويعرفون قيمتها؛ فيؤثّر فهمهم هذا على سلوكيّاتهم؛ فتراهم أهل التّسامح، والعفو، والصّفح، ولن يسلب ذلك منهم ومن مكانتهم شيئًا، بل على العكس يشعرون دائمًا بالارتياح التّام، والطّمأنينة النّفسيّة لسلوكهم القويم، ورضى الضّمير الاجتماعي.
ولكنّ فهم التّسامح في أرض الواقع أمر آخر؛ فهو خلق الضّعفاء الذين لا حول لهم ولا قوّة، ومن تسامح، وعفا، وصفح، يوصم بالاستسلام، والذّل، والمسكنة. حتّى بات ينتشر على ألسنة العامّة دائمًا لا يسامح إلا الخائف الضّعيف. فلذلك نربّي أبناءنا دائمًا: كنْ قويًّا، وحصّل حقّك بيدك، اضرب من يضربك، اجرح من يجرحك، لا تخف من أحد، “ما يقطع الرّأس إلا اللي ركّبه”، واذا اعترض أحد يقولون: يا خائف! ويا ضعيف! هكذا النّاس، وحتّى لو كنت محقًا لا يمكن أن تكون شاذًّا (حط راسك بين هالرّوس وقول يا قطّاع الرّوس).
والسّؤال: هل كلّ “الرّوس” على حق أم على باطل؟
ولكن الغريب والعجيب أنّه إلى جانب هذه السّلوكيّات السّلبيّة، وهذا الفهم الخاطئ للتّسامح هناك سلوكيّات أخرى. كثيرون يدعون جهرًا وعلنًا للتّسامح، وفي محافل كثيرة، فمثلًا في حال خصومة، أو نزاع بين اثنين، أو سلوك أهوج لشخص كردّة فعل على سلوك صديقه، أو زميله، أو آخر. والأغرب أن تجد الدّاعي للتّسامح هنا على خصومة مع أبيه، أو أخيه، أو على الأغلب جاره في محفل آخر.
فيا هذا: كيف تدعو للتّسامح، وتنسى نفسك أتحقيقًا لقوله تعالى: “أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ” (البقرة: 44).
أم أنّك لا تؤمن بالتّسامح إيمانًا كافيًا كما أمر الله به، وحثّ عليه الرّسول صلى الله عليه وسلم، أم تحقيقًا لقول الله تعالى: “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ” البقرة: 85).
أم لأنّك لست بحاجة لفضائل الأمور حتّى تحثّ الآخرين عليها وتتجنّبها؟
أم أنّك تعتقد أن ليس هناك ربّ يراك، ويعلم أفعالك، وسيحاسبك يومًا ما؟
أم تعتقد أنّ النّاس تخفى عليهم أفعالك وسلوكيّاتك، وأنت مخطئ، فهم على علم بكلّ ما تقوم به، وكلّهم يداهنون، ولكن على يقين بأنّك مفضوح لديهم، وعلى أعلى المستويات.
والأغرب أن منهم من يستغل الميديا، وشبكات التّواصل الاجتماعي لنشر فضائل التّسامح ويحثّ عليه. فكثيرون ينشرون مواعظ وحكم عن التّسامح على صفحاتهم في الفيس بوك، مثلا. أو يختارون نصوصًا داعية للتّسامح معتمدة على آيات القرآن، وأحاديث الرّسول صلى الله عليه وسلم، ويوزّعونها وينشرونها بكلّ وسيلة. أو ينتقون قصصًا معبّرة تهدف لنشر فضائل التّسامح، وينشرون، ويرسلون لأقرانهم وزملائهم في شبكات التّواصل على شكل رسائل نصيّة قصيرة، أو أفلام قصيرة.
ولكن مع كلّ ذلك هم بعيدون كلّ البعد عن التّسامح، يخاصمون أهلهم وذويهم، ويتنازعون مع أقرب النّاس لهم، وتجدهم لا يراعون شعور الآخرين حين يمس الأمر بمصالحهم وخصوصيّاتهم، وهكذا فلحل هذا اللغز الغريب علينا أن ننصح هؤلاء.
التّسامح فضيلة اجتماعيّة عظمى، وفي كلّ الدّيانات والثّقافات، ولا نجد من ينكر ذلك مهما كان مستواه، ومستوى فهمه وإدراكه، بل ومهما كان جنسه وعمره.
اعمل على تطبيقها في المجتمع، وبداية بنفسك، وأهل بيتك، وابنائك، وبناتك.
واعلم أنّ عملك هذا، أو عكسه (لا قدّر الله) مراقب من ربّ العباد، ومن العباد أنفسهم، فمهما حاولت التّغطية فأمرك بيّن، ومن لا يراه الأب يراه الرّب.

Follow on Facebook

Font Resize