11 ديسمبر، 2017

إختلافهم محبة وإحترام ، وإختلافنا فرقة وخصام

 

أبدأ كلامي بسرد ثلاث قصص حدثت مع الصحابة الكرام . ومع الأئمة الأجلاء أبي حنيفة والشافعي . أذكر القصص الثلاث لنرى ونعتبر ونتعلم وننهل منهم ومن علمهم ونرى كيف كان إختلافهم وكيف إختلتفنا اليوم . القصة الأولى حدثت في عصر خلافة أبي بكر الصديق رضي الله وأرضاه .

القصة الاولى :-
جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فقالا: يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضاً سبخة ليس فيها نخلٌ ولا منفعة ، فإن رأيت أن تقطعناها لعلنا نحرثها ونزرعها ولعل الله ينفع بها بعد اليوم .

فأقطعهما إياها ،وكتب لهما كتاباً وأشهد في ذلك عمر ، وعمر ليس في القوم ،  فانطلقا إلى عمر ليشهداه .. فلما سمع ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل فيه فمحاه ، فتذمرا وقالا مقالة سيئة ، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألّفكما والإسلام يومئذ ذليل ، وإن الله عز وجل قد أعز الإسلام ، فاذهبا فاجهدا جهدكما لا أرعى الله عليكما إن أرعيتما .
قال: فأقبلا إلى أبي بكر وهما يتذمران ، فقالا : والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: عمر غير أن الطاعة لي . [ وفي رواية بل هو لو كان شاء] ، قال: فجاء عمر مغضباً حتى وقف على أبي بكر ، فقال: أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين الرجلين أرض لك خاصة أم هي بين المسلمين عامة؟

قال: فما حملك على أن تخص هذين بها دون جماعة المسلمين؟؟!

قال: استشرت هؤلاء الذين حولي فأشاروا علي بذلك

قال: فإذا استشرت هؤلاء الذين حولك أكل المسلمين أوسعت مشورة ورضىً؟

قال: فقال أبو بكر: قد كنت قلت لك إنك أقوى على هذا الأمر مني ولكنك غلبتني  .

قصة غاية في الجمال والحكمة والمواقف العظيمة التي سطرها التاريخ .

فموقف عمر الشجاع يعلمنا أن ننطق بالحق لو خالف رأي المسؤول أو الرئيس .

أبو بكر موقفه أجمل واروع وأعظم ، أي خلق تخلقت به يا أبا بكر . فقد حاولا عيينة والأقرع بث الفتنة بين عمر وأبي بكر .

فقولهم للخليفة ما ندري أأنت الخليفة أم عمر ؟ قول فيه فتنة ويشتم منه رائحة الفتنة القذرة .

ولو حصل ما حصل في زماننا لثار الرئيس او المسؤول او الحاكم . وجن جنونه ولأرسل الجيوش لإحضار ذلك الذي يخالف راي الحاكم . حاول عيينة والأقرع ان يشككو من سلطة ومكانة وخلافة الخليفة وبث السم وزرع الخلاف بين أبي بكر وعمر .

فقولهم من الخليفة فيه شك بصلاحية الخليفة . إذ لا يمكن أن تكون خليفة ويخالفك الراي أحد . إلا أن حكمة الخليفة أبي بكر تجلت في قوله هو أن اراد او هو إن شاء .  الله ما اروع هذا الكلام في صد كل من يحاول زرع الفتن .

القصة الثانية :- 

حدثت في زمن الخليفة معاوية بين ابي سفيان رضي الله عنه وارضاه .

إن الخلاف لما اشتد بين علي ومعاوية، وبلغ ذلك قيصر الروم، فإنه أرسل برسالة لمعاوية يقول له فيها:  “علمنا بما وقع بينكم وبين علي بن أبي طالب، وإنا لنرى أنكم أحق منه بالخلافة لحنكتكم السياسية، فلو أمرتني أرسلت لك جيشاً أوله عندك وأخره عندي يأتون إليك برأس علي”.

فلما وصل كتابَ هرقل لمعاويةَ، طلب من كاتبه أن يخط على ظهر الرقعة الرد التالي: “أخان تشاجرا فما بالك تدخل فيما بينهما وتعلي من نباحك؟!  إن لم تُخرِس نباحك أرسلت إليك بجيشٍ أوله عندك وآخره عندي يأتونني برأسك أقدمه لعلي”، وأمر برد الرسالة لصاحبها.

ويقال أن قيصر الروم أرسل نفس الرسالة لعلي بن أبي طالب فرد بمثل ما رد به معاوية من رفضٍ مطلق أن تطأ أقدام جيش الروم أرض الشام لدعمه.

بربكم لو حدث ما حدث اليوم وتخاصم أخوين . أخوين من نفس الأم والأب . وعرض على احد الإخوة مساعدة من قبل طرف ثالث ما سيكون الجواب برأيكم . أعتقد ان الأخ سيطلب قتل أخيه او نفيه .

فكم سمعنا عن خلاف صغير بدأ بين إخوة وبسبب تدخل الغير زاد الخلاف وأصبح الطريق بينهم مظلم ومسدود . معاوية يقول لزعيم الروم أخان تشاجرا فما دخلك أنت . لا بل ينهاه ويزجره ويوبخه إن تدخل . اليوم ترى الرجل مستعد لدفع مبالغ باهضة للعصابات الفاسدة من اجل أن يتخلص ممن يتخالف معه ولو كلف ذلك قتله .

القصة الثالثة حدثت بين علمائنا وفقهائنا الامام مالك والامام الشافعي . درس في كيفية التعامل وكيفية الإحترام ورد الجميل والإعتراف بقدرات الغير .

القصة الثالثة :- 

أثناء تعلم الامام الشافعي  عند الإمام مالك جاءه رجل يطلب فتوى فقد حلف يمينا على زوجته بالطلاق أنه لايعيدها حتى تصبح أجمل من القمر… فقال له الإمام مالك بأن اليمين قد وقع وأنها طلقت منه فخرج الرجل على هذا الأساس فلحقه الشافعي وقال له ما مسألتك؟؟ فنظر إليه يائسا واستصغر سنه، إذ الإمام لم يعرف أفأنت تعرف؛ وقال لِمَا؟ فألح عليه الشافعي فحكى له الرجل ؛فأطرق الشافعي قليلا ثم قال له: لا زوجتك لم تطلق منك لأن الله قال (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) وعلى هذا تكون زوجتك أجمل من القمر. فذهب الرجل إلى الإمام مالك وحكى له فأقر الحكم  وفي اليوم التالي جاء الشافعي إلى المسجد فوجد على بابه لافتة كتب عليها:

من أراد العلم النفيس فعليه بمحمد بن ادريس فسأل من كتبها فقالوا له: معلمك الإمام مالك فكتب أخرى وعلقها فيها:

وكيف لا يكون ذلك …… وأنت إمامه يا مالك!!! أو وكيف ذلك وهو تلميذك يا مالك .

موقف فيه درس في كيفية احترام الطالب لمعلمه والأهم كيفية احترام المعلم للطالب وقدرات الطالب فالإمام مالك لم يرفض رأي الشافعي وقبل بصحته  لقد ذكرت القصص الثلاث لأقارن قليلا عن الإختلاف في السابق وعن الاختلاف اليوم .

لا أعلم لماذا انعدم احترام كل من يخالفنا الراي ، ولا اعلم لماذا وصلنا الى هذا الوضع . كلنا يريد فرض رأيه على الاخرين ومن يخالفنا الرأي نبدأ بمعاداته كانه عدو لدود .

على سبيل المثال لا الحصر فالامثلة كثيرة وكثيرة جدا .  اذكر هنا الإختلاف بين رجال الدين او أئمة المساجد الذين أحترمهم وأجلهم وأحبهم .

ولكن سؤالي هو لماذا الإختلاف بينكم ، هل الإختلاف هو لحكم شرعي . فها هم فقهائنا مالك والشافعي أحب كل منهم الاخر على رغم الإختلاف بينهم . حتى أنشأ كل منهم مذهب .

ما يزعجني ويغضبني هو الخلاف الذي سببه الإختلاف بين رجال الدين .  لن أخوض بموضوع رجال الدين كثيرا لحساسية الموضوع ولإحترامي لمكانة رجال الدين إلا أنني اسأل لماذا نرى بعض المشايخ قد تعدى اختلافهم مع غيرهم من المشايخ الى حد الخلاف والخصام أحيانا .

ولن أتكلم كثيرا عن الموضوع ولكن من أراد الخوض في الأمر فلينظر الى اي بلد فيها أكثر من مسجد ويرى علاقة المشايخ مع بعضهم البعض .

اسأل الله لي ولمشايخنا الهداية والرشد وتقبل الخلاف بيننا . وأن يعلمنا علم عمر وان نتخلق بأخلاق ابي بكر وان نقف موقف معاوية ويرزقنا فهم الشافعي ومالك . اللهم أمين .  وأخيرا  أذكر امرا أخر وعليه نقيس كل الخلافات بيننا .
الخلاف السياسي حدث عنه ولا حرج . الخلاف السياسي حرب متاحة فيه كل انواع الاسلحة الفتاكة والغير  فتاكة . وعندما يبدأ الخلاف السياسي  تنعدم الصداقة وتنتهك الأعراض وتباح المحرمات . ويصبح كل شيء مسموح وتختفي القيم والمبادئ .

كم رأينا وسمعنا عن شخص يسب شخصا اخر لانه مختلف معه سياسيا ، كم سمعنا عن خلاف بين إخوة أدى الى المقاطعة والى العراك أحيانا بسبب ان احد الإخوة مع زيد والأخر مع عبيد . وما نفعنا لا زيد ولا عبيد .

أنا أختلف معك بالراي هذا لا يعني اني لا احبك ولا أحترمك . رأيك يهمني أحترمه ولكني لست مجبر ان أخذ به . والعكس صحيح أحبتي قيل أن إختلاف العلماء رحمة .

فلنتقبل الإختلاف بيننا عسى أن ننال الرحمات من رب البريات …. والسلام ختام .

Follow on Facebook

Font Resize